مجد الدين ابن الأثير
456
المختار من مناقب الأخيار
رحمة اللّه عليهنّ . * * * وقال ذو النّون المصري : بينا أنا أسير على شاطئ النّيل إذا أنا بجارية تدعو ، وتقول : يا من هو عند ألسن الناطقين ، ويا من هو عند قلوب الذاكرين ، ويا من هو عند فكر الحامدين ، قد علمت ما كان منّي ، يا أمل المؤمّلين . ثم صرخت ، وخرّت مغشيّا عليها « 1 » . رحمة اللّه عليها . * * * الشام قال أحمد بن أبي الحواريّ : بينا أنا ذات يوم في بلاد الشام في قبّة من قباب المقابر ليس عليها باب إلّا الكساء ، قد أرسلته ، فإذا أنا بامرأة تدقّ الحائط ، فقلت : من هذا ؟ قالت : امرأة ضالّة ، دلّني على الطريق ، رحمك اللّه . قلت : عن أيّ الطريق تسألين ؟ فبكت ، ثم قالت : عن طريق النجاة . قلت : هيهات ، إنّ بيننا وبين طريق النجاة عقابا « 2 » ، وتلك العقاب لا تقطع إلّا بالسّير الحثيث ، وتصحيح المعاملة ، وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدّنيا والآخرة . قال : فبكت بكاء شديدا ، ثم قالت : يا أحمد ، سبحان من أمسك عليك قلبك « 3 » فلم ينقطع ، وحفظ عليك فؤادك فلم ينصدع . ثم خرّت مغشيّا عليها . فقلت لبعض النساء : انظرن أيّ شيء حال هذه الجارية ؟ فقمن إليها ففتّشنها ، فإذا وصيّتها في جيبها : كفّنوني في أثوابي
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 375 . ( 2 ) العقاب : جمع عقبة ، وهي طريق في الجبل وعر ، أو المرقى الصعب في الجبال . ( 3 ) ليست اللفظة في ( أ ) . وفي صفة الصفوة : « جوارحك فلم تنقطع » .